الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

294

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الناس من المؤالف الموافق والمخالف المعاند يحبّهم لما فيهم من الحسن والكمال والجمال النهائي ، فالأعداء بالفطرة يحبونهم ، وبسبب إسارة نفوسهم لمشتهياتهم يبغضونهم ويعادونهم ، بحيث لولا هذه الاسارة لكانوا كالمؤمنين يطيعونهم وينقادون لهم عليهم السّلام ظاهرا ، وإلى هذا يشير ما تقدم من قول الصادق عليه السّلام : " أما واللَّه لو قدروا أن يحبّونا لأحبّونا ، ولكنهم لا يقدرون " . فقوله عليه السّلام : " لأحبونا . . . " لأنهم لا يصدر عنهم شيء مكروه حتى لهم . وأما قوله : " ولكنهم لا يقدرون " لأنهم أسراء النفس والشهوة والدنيا والطبيعة ، التي قد صدّتهم وأعوجتهم عن الحق والصراط المستقيم . ولأجل هذه الفطرة التي بها يدركون الحق يعاقبهم اللَّه تعالى يوم القيامة وإلا لكانوا مستضعفين ، وفي الأحاديث الواردة عنهم عليهم السّلام في بيان حال أعدائهم وأنهم قد كانوا حينا ما يظهرون فضائلهم عليهم السّلام ويقرون بها سرّا أقوى شاهد على ما قلنا ، كما لا يخفى على المتتبع لها . ثم إن ما ذكرنا جار بالنسبة إلى كل أحد بمعنى : أن جميع من يعصي اللَّه تعالى ويصرّ عليها يعلم قلبا أنه مخالف للحق ، وأن حقيقته تشمئزّ من عمله ، ويرى أن من لا يعصي اللَّه هو الأحسن ، وتحكم به فطرته وعقله إلا أن أسارته لملكة المعاصي على اختلافها يقدم عليها كما لا يخفى . ومن هنا يظهر معنى قوله : " وبخع كل متكبر لطاعتكم ، وخضع كل جبار لفضلكم " فإنه قد يقال : إنه كيف يبخع المتكبر لطاعتهم ، بل هو عاص لهم ، أو كيف يخضع لفضلهم ، بل هو معاد ومعاند لهم ، ويظهر عداوته لهم لا أنه يخضع لفضلهم ، وذلك لأن محبيهم إنما هم يطلبون طاعتهم ويحبونها بقلبهم لما اتصف قلبهم بنور التسليم لهم ، وتقديمهم على من سواهم ، فخضوعهم لهم عليهم السّلام ولفضلهم ولطاعتهم كأنه ذاتي ، لهم وهذا بخلاف أعدائهم ومخالفيهم إذا رجعوا إلى فطرتهم ، وفي تلك الحالة نظروا إلى علو مقامهم عليهم السّلام خضعوا لهم وبخعوا لطاعتهم عليهم السّلام وإن كانوا